دروس في فن "الدايت" الصحفي .. الدليل الإعلامي للحوار "منزوع الدسم" ~ محمد الكويفي

Change Language

لا خير في دراسة وعلم ونبوغ، اذا لم يصاحبه تقوى وعمل..

2025/04/25

دروس في فن "الدايت" الصحفي .. الدليل الإعلامي للحوار "منزوع الدسم"

دروس في فن "الدايت" الصحفي .. الدليل الإعلامي للحوار "منزوع الدسم" 

بينما كنت أشاهد قبل قليل المقابلة "الحصرية" التي أجرتها قناة أخبار، عربية اللغة دولية النطاق والشعار، مع وزير الخارجية الإزرائيلي 'غدعون ساعر' بمناسبة زيارته الأخيرة للعاصمة الإماراتية التي هي مقر المحطة "المرموقة"، تقافزت بين تلابيب ذهني "الساذج" تساؤلات، وطرَقَت أبوابَ فهمي "المتواضع" استفسارات -ترقى إلى إثارة "تشككات" في كل ما تعلّمه أمثالي في مهنة الصحافة التلفزيونية (ويدرّسونه لطلاب الإعلام) من أبجديات محاورة المسؤول الرسمي -خصوصاً إن كان الضيف يمثّل طرفاً أساسيًا في صراع أو أزمة. والحقيقة أنني سجّلت العديد من الملاحظات "المهنية" على شكل ومحتوى المقابلة التلفزيونية الـExclusive، وحدّثتني نفسي الأمّارة بالفضيلة أن أنشرها في قائمة نقاط، بهدف مشاركتها مع المهتمين من أصدقاء الفضاء الافتراضي بمثل تلك القضايا. لكنني ترددت، ثم تراجعت عن الفكرة خشية أن يطول البوست حد الملل، خاصة وأن العديد منها ربما يدخل في إطار المعرفة المتخصصة بقواعد التحرير الصحفي والإنتاج التلفزيوني ومجال مناقشتها الأمثل في محاضرة أو حلقة نقاش أكاديمية أو ماشابه.
وسأكتفي هنا بتلخيص أهم ما لفت انتباهي وصدم توقعاتي في المقابلة المذكورة، في 3 خطوط أو تساؤلات أساسية (أخطرها آخرها): 
أولا- الشكل والإخراج: كيف لمقابلة تم تسجيلها في استوديو تلفزيوني وتتجاوز مدتها على الشاشة نصف الساعة، أن تخلو من أي لقطات واسعة Wide Shots أو على الأقل لقطات ثنائية 2-Shot تُظهر الضيف والمحاور معًا؟ (خطأ إخراجي صريح يضرب قاعدة توصيل التفاعل بين المتحاورين في الصميم، وربما كان متعمدًا).  

ثانيا- آداء المحاور ولغة الجسد على الشاشة: كيف لمذيعة "قناة إخبارية ذات طابع دولي" متمرسة في إدارة المقابلات الصحفية (وبعضها مباشرةً على الهواء) أن تحافظ على "رتابة" Monotony صوت هادئ، و"برودة" ابتسامة لا تختفي حتى عندما يكون الكلام عن تهجير ومجازر، في طرح الأسئلة وفي ردود الفعل (تعبيرات الوجه) Cutaways، على مدى 32 دقيقة تقريبا هي مدة المقابلة بعد المونتاج؟! *ناهيك عن نظرات الإعجاب أو ربما "الانتشاء" بمقابلة "وزير"، ولو كان ساعرا أو مسعورا!! 
ثالثا- المحتوى والسياسة التحريرية: 
تنوّع مضمون المقابلة "نظريا" وأبحرت الأسئلة- دون تعمق- بين ملفات التهجير "الطوعي" في غزة، ونزع سلاح حماس "غير المرغوب فيها" من أبناء القطاع بدليل التظاهرات ضدها، وصدق "النوايا" الصهيونية في السلام وحماية الأرواح، وخطر المشروع الإيراني على المنطقة، وضرورة القضاء "كليًا" على حزب الله في لبنان، وتهديدات النفوذ التركي في سوريا، ومزايا التطبيع العربي الإسرائيلي. لكنها نضحت بالكثير مما يقوله الكتاب المدرسي عن "تقليدية الصياغة" و "روتينية المحاور" و "سطحية" التناول أو التعاطي مع كلام الضيف. الحديث يطول وقد يتشعّب ويتحوّل إلى تنظير أو "فرهدة" أتجنب الوقوع في براثنها، لكن ثمة قواعد أو أبجديات في الحوار الصحفي لا يمكن تفادي التطرق إليها في أي تعليق "مهني" على هذه المقابلة، وسأكتفي منها بتساؤليْن:
1 - أين مبدأ "تحدي" سردية المسؤول ؟ أي صحافي -ولو مبتدئ- يعرف شيئا عن تكنيك 'محامي الشيطان' Devil's Advocate في مواجهة المسؤول عندما يكون الحوار أحاديا One-on-One فيتقمّص المحاور دور الخصم ويتحدّى الضيف -بحقائق أو حتى بأراء تناقض ما يزعم- من باب "التوازن والموضوعية" في الطرح. 
2- أين الأسئلة التعقيبية أو الاستدراكية Follow-up Questions ؟ ظهر القصور جليًا من جانب المذيعة المحاورة في التقاط فلتات لسان الضيف أو المعلومات المهمة المنزلقة من فمه (مثلا ما قاله عن سلطة فيدرالية برعاية دولية في حكم غزة). مقاطعة الضيف أحيانا مطلوبة، وفي أغلب الأوقات يكون ما "ينتزعه" المحاور في لحظة استفزاز أو تحدي هو ما يصنع "العناوين" Headlines والمانشيتات المثيرة .. بل ويتيح للمحطة أو الجريدة فرصة "السبق الصحفي". 
وأخيرا وليس بآخر -كما يقول التعبير المأثور- لا يسعني في هذا الصدد إلا أن أتوجه للقائمين على وضع الأسئلة وترتيبها في سياق المقابلة الحصرية، بتساؤل "بريء" عن سبب اختتامها بالحديث عن "الاتفاقات الإبراهيمية"، ومغزى إشادة الضيف "الساعر" بفضلها الحاضر والمستقبلي، مع تشديده -الأشبه بتسريب إخباري- على أنه "لم تقطع أي دولة عربية علاقتها أو اتصالاتها معنا منذ طوفان 7 أكتوبر، بل بالعكس توطدت أواصر التعاون !!   
أعرف أن العديد من المتابعين سينقض علي بتعليقات من نوعية "يعني انت مش عارف أجندة المحطة التي تتحدث عنها؟!" .. لكنني -وبكل صدق- لم أتوخى الولوج إلى هذه المنطقة الحساسة (أو الفلسفية في أبعادها ومبتغاها)، وولم أكن "أنتوى" انتقاد عمل مؤسسة صحفية لي فيها العديد من الأصدقاء المحترمين وزملاء العمل المحترفين .. فقط أردت تسجيل ملاحظات من باب الغيرة "المهنية" البحتة

التعليقات
0 التعليقات

0 الردود:

إرسال تعليق

شكرا لك
بصراحة استفدت كثيرا من هذه التدوينة
ان شاء الله في ميزان حسناتك