بين حب الظهور وتسويق الذات
الجزء(1)
ليس بمرض جسدي ملموس كالكسر او الحرق او اي علة في الجسد، هو مرض روحي له تأثير على السلوكيات، وهناك ارتباط وتداخل بين الجسد والروح، فاذا ما اصيبت الروح بالمرض كالعجب والتكبر وحب الظهور أثر ذلك على الجسد والسلوك
مشكلة المرض الروحي تكمن في تخطّيه لحدود الأذى الشخصي، أي أنه يتسبب بأذى قد يلحق بالآخرين والمجتمع، أما المرض الجسدي فهو يؤذي حامله بالدرجة الأولى.
اغمض عينك.. لا لا لا.. افتحها وركز، وتخيل اشخاص وانت تقرأ هذه المواقف:
بعض الناس لا يرى لذةً في حديثه الا ان تحدث عن نفسه ولا يكون همه إلا أن يترك لدى المستمعين انطباع أنه مثقف، أنه عامل وذكي وأنه يخشى الله وأنه محب ، وأنه كريم، فتراه اً يستعظم موقفاً ما، ليس له أهمية، ويستهين بموقف آخر رغم ما فيه من أثر بالغ.
يحاول إضعاف دور الآخرين والتقليل من شأنهم والتبخيس في حقّهم والتقليل من شأن قدراتهم وجهدهم، في حين يحاول أن يصور جهده وكفاءته وما يقوم به من نشاطات بصورة النموذج الرائد في العمل والوعي والإتقان!
فتراه يلتمس العذر تلو الآخر للابتعاد عن الأعمال التي ليس لها مردود إعلامي، ايضا هو مرض نفسي داخلي يجر إلى اقتراف خطأ كبير وهو تقريب غير الكفؤ الذي يمدحه، والمؤيد دائما، يقرب اليه من يشارك في تسليط الأضواء عليه!
اذا ما كان المسؤول مريضاً وبيده الهيكليات وادارة الأفراد، فإن حب الظهور يفرز أفراد ومسؤولين غير كفؤ، وغير قادرين على القيام بمسؤولياتهم وواجباتهم ويؤدي ايضا الى هدر طاقات مهمة.
يا حاج، يا سيدي، ياء النداء هذه تشرح صدره!
مريض حب الظهور يرسل المقترحات والحلول وهو مكبل بما ينفعه أو يضره ذلك المقترح لا بما ينفع أو يضر العمل، فمثلا: يرى الجميع انه ليس من الجيد الان البدء في مشروع خيري" او يحتاج الى نقاش معمق وتحديد كافة التفاصيل والأدوار وآلية العمل والتمويل اللازم، لكن لان مريض حب الظهور يرغب باظهار انه شخص ناجح ومؤثر ويستطيع ان يحقق انجازات بوقت قصير سيبدأ في العمل متجاهلا المصالح العليا.
مرضى حب الظهور ينجرون الى التحدث عن مواقعهم واعمالهم السرية بطريقة التصريح أو التلميح، ويكون الحديث ستاراً يخفي خلفه حالة من حب الشهرة، أو لاحتلال موقع ما، لكن المتجرّد لا يتحدث عما عنده من معلومات إلا بحدود ما يملي عليه الواجب.
الذين يتحركون من موقع حب الشهرة يتحركون مع المبادئ بالاتجاه الذي لا تكون تلك الحركة على حساب شهرتهم، ومتى ما بدا لهم أن أمراً ما يتطلب التنازل عن بعض الشهرة، أو يصدّع مكانتهم عند الآخرين، فسرعان ما يتراجعون من أجل الحفاظ على منسوب إعجاب الآخرين بهم.
فخ التواضع
ليس المهم عندهم أن تكون مبادؤهم كبيرة عندما يتخاطبون، بل المهم أن يكونوا هم كبار في نفوسهم، يعمدون في الشق الأول من العلاقة على مدح الآخرين، وعدم إظهار السُخط على بعض تصرفاتهم السيئة، لا لشيء إلا لإمرار المقدمة اللازمة من وجهة نظرهم للشق الثاني، وهو الحديث عن الذات وماذا عملوا وأنهم يملكون الخبرات الكثيرة، والمواقف القوية الحافلة بملاحم البطولة والنجاح، وما إلى ذلك
حب الظهور نوع من السمعة والرياء، وقد يتطور ليصبح من أبشع أنواع الكبْر، ويصبح أعظم إنجاز في نظر هذا المصاب بالفصام بين القول والعمل وهو تصدره المجالس وتوزيع الإبتسامات على المعجبين وأخذ صور تذكارية معهم.
المريض لا يملك القدرة على أن يتصور زملائه واقرانه على حقيقتهم من أن ما يتحملونه من مسؤولية هو إفراز طبيعي إلى حاجة العمل إلى كفاءتهم، وأنهم ينظرون إلى المسؤولية على أنها واجب وأنهم يخشونها لأنها تؤدي بهم إلى الحساب :{وقفوهم إنهم مسؤولون}، من هنا نجد العلاقة بين حب الظهور والتنازع على الموقع علاقة الأسباب بنتائجها.
الظهور نقيض الإخلاص، ويكون الاخلاص اصعب عند الحديث عن الاخلاص، حتى التنافس في الصلوات والاذكار والورد القرآني والانشطة الإيمانية تجدها لا تخلو من التنافس على الآنا وحب الظهور
تجده يتشبث بالشوري كمصطلح ومفهوم، لكنه يتخذ القرار من خلال رأيه، وهل هذا القرار يؤثر على سمعته ام لا!
اذا ما وجد شخصا ناجحا فانه كما تحدثنا يرفض ان يعلو عليه فبالتالي يلجأ الى السخرية منه والانتقاص من حقه وتشجيع الآخرين من خلال افات اخرى كالغيبة والنميمة للانتقاص منه.
هل تعلم ان حب الظهور والمكانه يمكن ان يكون في الامامه والامارة ومساعدة المحتاجين، ضرر حب الظهور ان وجد عند مربي ينتقل تلقائيا عند ابنائه او تلامذته
يحب ان يظهر ما عنده من مال او سيارة او انه تفوق في شراء منزل أو مزرعة، حتى انه يتحدث للآخرين عن انجازاته وبطولاته، يروي كيف يربي أبنائه على الجها.د من منطلق انه تقي نقي عفيف.
لذلك يتأثر الكثير من المخدوعين بهؤلاء المرضى، بنتيجة قد تمتد إلى بعض الوقت إن هؤلاء المرضى كبار فيما يمتلكون من مواهب، وفيما يطرحون.
يعتقد بعض المرضى أن وجودهم ضروري للحياة كالماء والهواء، يزاحمون الصف الأول بلا مؤهلات، يحبون الوقوف تحت الأضواء، ينظرون إلى المنافس أنه عدّو لابد من تصفيته، يرفضون كل رأي مخالف مهما كان فيه من الخير!
أصحاب حب الظهور يعانون من عقدتين خطيرتين:
- عقدة الإستعلاء: التي تجعل صاحبها يعتقد أن الناس جميعا خُلقوا لخدمته، فإذا نطق وجب عليهم أن يسكتوا وينصتوا، وإذا دخل وجب عليهم أن يقوموا له إحتراما وتقديرا وتبجيلا.
- وعقدة الدونية: التي يحسّ صاحبها بأنه دون مستوى الناس ذكاء وخبرة وفطنة وحظاّ، وأن عليه أن يمثل دور الإنسان الكامل، ويتصنّع هذا الدور، حتى يستر نقصه، تراه يزاحم الكبار بلا زاد.
ربما بعضهم يعاني من عقدة واحدة فقط
بعضهم تصرفاته الظاهرة توحي بأنه واثق من نفسه وقادر على القيادة والإنجاز لكنه إذا إصطدم بحاجز إنكشفت عوراته وافتضحت سوءاته.
خطابه يتصنع فيه القوة ويرفعه فوق ما يجب ويغطيه "بما يحفظ" فإذا جلست تناقشه في التفاصيل والأعماق وجدته فارغ
مع كل هذه العيوب، يصر على التمسك "بحقه" في التصّدر والظهور واحتكار الحقيقة وجلجلة الخطاب وفرض الرأي.
تجده حريصا على مرافقة "الكبار" والتحدث باسمهم وانتحال شخصيتهم..لأنه يعيش طول حياته على الجثث والجيف ويعتاش بصيد الآخرين، ويحب أن يحمد بما لم يفعل، وأغرب ما فيه أنه يدعي العلم بكل شيء، والسبق إلى كل شيء، وأنه صاحب الفضل على الجميع، وأنه أحرص الناس على المصلحة وأولى الناس بتصدر المحافل..
بعضهم يجتهد في زرع الأحقاد بين المتنافسين، لأنه لا يملك مقومات المنافسة الشريفة فيلجأ إلى الدسيسة والخديعة والوقيعة بين الناس، وشراء الذمم، ويشيع داخل الصف ثقافة "أنا خير منه" ويدفع الناس للحديث عن إنجازاته الوهمية ومآثره ويده البيضاء على المجتمع
لذلك يخرج الكثير من المخدوعين بهؤلاء بنتيجة قد تمتد إلى بعض الوقت إن هؤلاء المرضى كبار فيما يمتلكون من مواهب، وفيما يطرحون.
الظهور بشكل جميل من الصفات التي أحبها الجميل، فقد روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
{لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ : إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً ، قال عليه الصلاة والسلام : إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ}
-بطر الحق: أن ترى نفسك أكبر من الحق
-غمط الناس: أن تبخسهم مكانتهم
وهي معصية إبليس! {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
حب الظهور الذي نتحدث عنه هو مرض قلبي، {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ، حب الدنيا مرض، لكن ان يكون لك بيت وزوجة ودخل جيد هذا ليس من حب الدنيا، حب الدنيا ما حملك على العدوان، وعلى أخذ ما ليس لك، أن تعتدي على آراء ومواقف وأعراض وأموال الآخرين.
لذلك الرجل جماله بفصاحته، جماله في كرمه، في تواضعه، في رحمته
كلما ازاداد حب الظهور اشتدت خطورة المرض وتكون المصيبة عندما يصل المرض الى أولي الأمر فالمسؤول قدوة ولديه القدرة على نقل العدوى.
قد يظن البعض انني انقل الصورة السلبية فقط، لكن الدين والعلم اكد وجود هذا النوع من البشر وان هذا المرض ينتقل ويسري بين الناس دون ان يشعروا.
والتنويه هنا بغرض الاصلاح، ولنتحسس جميعا قلوبن، وأنا أولكم..!!
والجميع يعلم إن من كان "الله غايته" لا يمكن أن يمارس لعبة شد الحبل بين راغب في الظهور بلا عمل وعاكف على العمل بنية صادقة هارب من الأضواء، لذلك تحققت الإنتصارات الكبرى على أيدي "رجال الظل" في حين حاقت الهزائم المدوية على أيدي من أدمنوا شهوة حب الظهور فابتلعتهم القبور، وصدق من قال : "إنما تنصرون بضعفائكم"
نلقاكم مع الجزء الثاني الاسباب والعلاج







0 التعليقات